جدال قانون ازدراء الأديان في مصر

حكيم خطيب

أكاديمي وباحث بالعلوم السياسية يعمل كمحاضر بالعلوم السياسية الشرق أوسطية والصحافة في كل من جامعتي فولدا و دارمشتاد للعلوم التطبيقية وجامعة فيليب في ماربورغ بألمانيا.

جدال قانون ازدراء الأديان في مصر - حكيم خطيب أكاديمي وباحث بالعلوم السياسية يعمل كمحاضر بالعلوم السياسية الشرق أوسطية والصحافة في كل من جامعتي فولدا و دارمشتاد للعلوم التطبيقية وجامعة فيليب في ماربورغ بألمانيا. - A photo released by Egypt’s official Middle East News Agency (MENA) shows Egyptian President Abdulfattah Al-Sisi (second right), the Grand Sheik of Al-Azhar, Ahmed Al-Tayeb (right) and Prime Minister Ibrahim Mehleb (center). © Image: (AP Photo/MENA, File) (The Associated Press)

A photo released by Egypt’s official Middle East News Agency (MENA) shows Egyptian President Abdulfattah Al-Sisi (second right), the Grand Sheik of Al-Azhar, Ahmed Al-Tayeb (right) and Prime Minister Ibrahim Mehleb (center). © Image: (AP Photo/MENA, File) (The Associated Press)

ما الجديد؟ قانون مكافحة ازدراء الأديان؟
حكمت محكمة مصرية على الباحث الإسلامي واللاهوتي إسلام البحيري لسنة واحدة سجن بتهمة ازدراء الأديان. واُتهم البحيري بالاساءة للإسلام في برنامجه التلفزيوني “مع إسلام البحيري” على قناة “القاهرة والناس”. البحيري شكك بـ”التراث الإسلامي”، وهذا ما أثار غضب آئمة الأزهر.
من الصعب القول أنه من حسن الحظ أو للأسف، بعد تخفيف عقوبة البحيري من خمس سنوات إلى سنة واحدة. قال محامي البحيري جميل سعد لوكالة فرانس برس: “إن إسلام البحيري لم يهن الأديان لأن أركان الإسلام هي القرآن، الله ويوم القيامة وهو لم يقترب من هذه الدوائر على الإطلاق.”
وقال الشيخ محمد عبد الله نصر الذي شارك في مظاهرة المثقفين الليبراليين المصريين ضد إدانة البحيري: “قانون مكافحة ازدراء الأديان هو قانون فاشي. إنه إرث من محاكم التفتيش الاسبانية “.
ولكن ما الذي ارتكبه البحيري فعلاً؟

ازدراء الأديان لدى البحيري

انتقد البحيري عدة كتب في التفسير الإسلامي، والتي يعتبر أنها تتضمن تفسيرات متطرفة للقرآن والسنة. قال البحيري في برنامجه أن هذه التفسيرات المتطرفة تشكل أساساً فكرياً لمنظمات متطرفة مثل “الدولة الإسلامية” و “تنظيم القاعدة”.

Islam Al-Buhairi. © YouTube screenshot/MPC Journal

Islam Al-Buhairi. © YouTube screenshot/MPC Journal

وفقاً للبحيري، فإن اتباع النبي محمد هم الأشخاص الذين ولدوا أو تحولوا إلى الإسلام بعد وفاة النبي محمد.
“إن اتباع (النبي) ليس له حرمة بحد ذاته. لقد كانوا رجالاً ونحن رجالاً، وأشار البحيري إلى ضرورة التدقيق في مجموعات الأحاديث المنقولة عن محمد البخاري ومسلم الحجاج، العالمان المسلمان الفارسيان اللذان عاشا في القرن التاسع.
صحيح البخاري ضم 7257 حديثا عن النبي محمد، بينما جمع  صحيح مسلم 9200 حديثا عن النبي محمد.
دعى البحيري لفحص تفسيرات ‘الرجال’ الآخرين. كما طالب علماء المسلمين بالتوقف عن تناول المصادر الإسلامية كمسلامات لأنها تحتوي في بعض الأحيان تمييزاً عنصرياً، وتحريضاً على العنف وغير منطقية.
“كان لديهم آراء التي ليس لدينا القدرة على تخيلها. هذا هو ما ورثناه. كل الدموية والقتل والطائفية والتخلف والتطرف الذين نعيشهم اليوم يستندون إلى أساس فقهي غير موثق،” تبعا لما أوضحه البحيري. وإضافة إلى ذلك، اتهم البحيري كبير علماء الأزهر الشيخ أحمد الطيب بعدم القيام بأي شيء لإصلاح المناهج التقليدية في الأزهر وللحد من نفوذ جماعة الإخوان مسلمين فيه.
وادعى البحيري أن فتاوى الأزهر “الأحكام الشرعية” لا تتفق مع التطور المعاصر ومع أساليب حياة المواطن المصري.

جدال الأزهر مع البحيري

في حين رفض الأزهر اعتبار مسلحي تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام كفاراً ( مدعياً أن ليس لديه الحق في اتهام أياً من المسلمين بالكفر مهما كانت خطاياه)، بادر الأزهر إلى اتخاذ إجراءات قضائية ضد البحيري. ونتيجة لذلك، قامت لجنة في الأزهر، نيابة عن أحمد الطيب، برفع دعوى ضد قناة البحيري في أبريل 2015 بتهمة “الإساءة للتعاليم الدينية والتحريض على الفتنة والطائفية بين المسليمن.”
المركز الإعلامي للأزهر صرح لمصر المستقلة في عام 2015 أن موقف الأزهر يرفض رؤية البحيري واصفاً إياه بالغير طبيعي وأنه تعمد تقويض دور الأئمة وعلماء الإسلام. البحيري، وفقاً للأزهر وعلماء الإسلام، يجهل أو تجاهل عمداً التراث الإسلامي العظيم، الذي أثرى المكتبة الإسلامية وحتى العالم.
أبو إسحاق الحويني المتشدد المصري السلفي، وصف البحيري بالجاهل العام الماضي لانه “يظن بأن المسيحيين ليسوا كفاراً.” السلفي محمد حسن قال “على مر التاريخ، أولئك الذين قاتلوا ضد الله ورسوله لم ينتصروا أبداً.”
الجدير بالذكر أنه بعد مئات السنين من كونها مؤسسة مستقلة، تم تأميم الأزهر في عام 1961 من قبل الرئيس السابق جمال عبد الناصر. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الأزهر جزأ لا يتجزأ من الحكومة. فقد تحول إلى مؤسسة رسمية للإشراف على المواد الثقافية والتعليمية ذات الصلة بالدين الإسلامي.

ثورة السيسي الإسلامية

في خطاب لعلماء الأزهر في الأول من شباط 2015، قال عبد الفتاح السيسي: “نحن في حاجة إلى ثورة دينية”، وأضاف قائلاً: “أنا أقول أن هذا الفكر الذي تم تقديسه، هو نصوص وأفكار تم تقديسها عبر مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعب جداً لدرجة إنها تعادي الدنيا كلها.”
يمكن اعتبار تصريحات البحيري كجزء من حملة لتجديد الخطاب الإسلامي التي بدأها السيسي بعد الفوز بالرئاسة في عام 2014. ولكن من المثير للجدل أن السيسي في الواقع يحتاج الأزهر، فالأزهر المسؤول عن مضمون الخطب الدينية لأكثر من 140,000 مسجد في جميع أنحاء مصر. لذلك أشار السيسي بوضوح إلى أن أي تغيير في الخطاب الديني يجب أن يكون في إطار جهاز الدولة وعلى رأسها مؤسسة الأزهر.
رداً على أفكار البحيري، قال السيسي في نيسان 2015 ما يلي: “أنا قلت عنوان لم أدخل في تفاصيل، لأن الذي يقوم بهذا الدور هو مؤسسة الدولة” مدعياً عدم موافقته على تصريحات البحيري.

التفكير النقدي المردزي للاديان

بينما يمكن اكتشاف روح التفكير النقدي في كتابات العديد من المثقفين المصريين حول المواضيع ذات صلة حساسة بالدين، فقد تعرض هؤلاء المثقفين بشكل ممنهج لحملات كراهية وجرائم وفقاً لمنظمة حقوق الإنسان. وفيما يلي مثالين:
قصة الأستاذ فرج فودة في مطلع التسعينات، وهو كان ناشطاً في مجال حقوق الإنسان. لقد اغتيل على يد الجماعة الإسلامية في عام 1992، ليس بسبب إلحاده أوكفره ولكن بسبب انتقاداته الاذعة لعنف الجماعات الإسلامية المسلحة. لقد ثبت أنه كان على حق، فلمجرد أن فودة كان ينتقد التعصب الديني والقتلة والمتعصبين الدينيين، و لأن القتلة لا يحبون كتاباته، فإنهم ببساطة قتلوه.
أيضاً الليبرالي اللاهوتي والاستاذ الجامعي المصري نصر حامد أبو زيد عانى الاضطهاد الديني الشديد في مطلع التسعينات، حيث اجبر على الفرار إلى هولندا ليكون آمناً. كانت جريمة أبو زيد عمله الأكاديمي. فعندما رفض البعض قبول بحثه العلمي الأكاديمي، قدموا البحث إلى القضاء المصري بدلاً من مناقشته، ثم قررت المحكمة أنه مرتد وبالاستناد إلى هذه الجملة تقدم البعض بما يعرف بدعوى الحسبة إلى القضاء ثانية على اعتبار أنه لا يجوز له البقاء متزوجاً من السيدة ابتهال يونس، وهي أستاذة الأدب الفرنسي، وتم تعلليل ذلك الطلاق القسري الذي حكم به القضاء المصري بأنه وفقاً للفقه الإسلامي لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلمين.
قانونياً، يستند التجديف (ازدراء الأديان السماوية) إلى المادة 98 من قانون العقوبات المصري، والتي أضيفت في العام 1982 ثم عدلت في العام 2006. ووفقاً لهذا القانون، فإن المواطنين الذين يقدمون على إهانة أو السخرية من الأديان السماوية، أو يقدمون على نشر الأفكار المتطرفة بغرض التحريض على الفتنة أو المساهمة في الإضرار بالوحدة الوطنية يمكن فرض عقوبة السجن بحقهم من مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات.
وهكذا إذاً، وبعبارة أخرى، حازت السلطات الحاكمة في مصر ومؤسساتها الدينية على ترخيص قانوني يجيز لها ممارسة الاضطهاد بحق مفكريها.

كان يمكن اعتبار تصريحات البحيري كجزء من حملة لتجديد الخطاب الإسلامي التي بدأها السيسي بعد الفوز بالرئاسة في عام 2014. ولكن من المثير للجدل أن السيسي في الواقع يحتاج الأزهر، فالأزهر المسؤول عن مضمون الخطاب لأكثر من 140,000 مسجد في جميع أنحاء مصر. لذلك أشار السيسي بوضوح إلى أن أي تغيير في الخطاب الديني يجب أن يكون في إطار جهاز الدولة وعلى رأسها مؤسسة الأزهر.


Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Menu Title