التطرف الإسلامي والشعبوية في مخيال أدب المستقبل

1490973439883

(AP Photo/Christophe Ena) (The Associated Press)

مصطفى قره حمد

طالب ماجستير بقسم التاريخ والعلوم السياسية في جامعة زيغن في ألمانيا. يركز بحثه على الثقافة السياسية والإعلام في منطقة الشرق الأوسط

عاد مصطلح الشعبوية للواجهة مع الحملات الانتخابية في فرنسا مهدداً الديموقراطيات الغربية بأفكار تبتعد عن اللبرالية والتعددية. جزء مهم من شعبية الشعبوية لدى أتباعها في الغرب أنها نظرياً تقف بوجه تهديد التطرف الإسلامي الذي ضرب مدناً أوروبية بعدة هجمات في السنوات السابقة. تستغل دوائر إعلامية عالمية يمينية هذه الهجمات في حملة تعميمٍ ضد المسلمين. تغطيات إعلامية تأجج حالة الكره للأجانب بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص بعد كل اعتداء إرهابي. على الجانب الآخر, ينشط اليسار والجاليات المسلمة في أوروبا بمواجهة هذه التعميمات على المسلمين. يبدو من الواضح أن الإعتدائات الإرهابية تؤثر سلباً على المجتمعات المسلمة في أوروبا, لكن ما يبدو أقل وضوحاً, هو أثر هذه الاعتدائات ومرجعيتها الفكرية على المجتمعات الأوروبية. رواية إلينا تشودينوفا مسجد نوتردام في باريس” (Elena Chudinova, The Notre Dame de Paris Mosque. 2005, وهي إحدى الرؤى المستقبلية المتخيلة لمجرى الصراع الثقافي/الحضاري في أوروبا, تبرز كأحد الأمثلة عن تأثير التطرف الإسلامي في الثقافات السياسية الأوروبية.

رواية تشودينوفا هي دستوبيا مستقبلية. دستوبيا (dystopia) هي عكس كلمة (Utopia) في اللغة الانكليزية. يوتوبيا تعني في اللغة العربية الطوباوية“, وهي نظرة تنبؤية لمستقبل مشرق حول قضية ما. دستوبيا هي النظرة التشاؤمية لمستقبل ما. هكذا ترى تشودينوفا مستقبل أوروبا, بعين التشاؤم. في الدراسات التاريخية, خصوصاً دراسة التاريخ السياسي, تحتل دراسات المستقبل مكانة هامة. حيث يدرس المؤرخون بجزءٍ منها رؤى سابقة عن صورة المستقبل في نقطة تاريخية معينة. ببساطة يدرس المؤرخ كيف رأى جورج أورويل المستقبل عام 1951 عندما كتب روايته الشهيرة “1984”, وهو يحاول التنبؤ بتفاصيل الحياة الاجتماعية.

تجري أحداث رواية مسجد نوتردام في باريسفي مستقبل متخيل عام 2048. تسقط باريس بيد متطرفين إسلاميين من أصول مهاجرة, يتوقف العمل بالقوانين العلمانية الفرنسية, و تصبح تعاليم الشريعة الإسلامية مصدر التشريع في فرنسا. يدمر المتطرفون الإسلاميون الكنائس في باريس ويحولون كنيسة نوتردام, أحد أهم الكنائس الباريسية, إلى المسجد الفرانكونيحسب تعبير تشودينوفا. أولئك الذين لم يعتنقوا الإسلام يتم إطلاق النار عليهم بعد جمعهم في غيتو. لا يصعب تخيل من أين أتت تشودينوفا بفكرة الغيتو.

تعزي الرواية سقوط أوروبا بيد الإسلاميين إلى السياسات اليبرالية وهالة التسامح والترحيب التي أحاط الأوروبيون أنفسهم بها, تلك التي شجعت مزيداً من المهاجرين على الانتقال للعيش في أوروبا. الأخطر من ذلك, أن الرواية تلقي باللوم في أحداث 2048 في باريس على الإلحاد بين المسيحيين, حيث سهل ابتعاد الأوروبيين عن المسيحية للمسلمين شقّ صفوف أوروبا وإسقاطها سياسياً.

لا يأتي الاهتمام بدراسات المستقبل التاريخي من قاعدة إيمانٍ بالغيب, بل لادراك اللحظة التاريخية التي خط الكاتب بها رؤياه عن المستقبل, ما الذي دفعه للتنبؤ بهذا, ما الحوادث التاريخية التي دفعته للوصول لهذه النتيجة عن المستقبل, والأكثر أهمية, هل رؤياه حصلت بالفعل أم لا؟ من المثير للاهتمام أيضاً معرفة إمكانية حصول هذه الوقائع في حال هي لم تحصل بعد. في كثير من الأحيان تعود هذه الرؤى لتطفو على السطح عند وقوع أحداث مشابهة لما تنبأت به.

كان الصراع الشيشاني-الروسي السبب في توعية تشودينوفا للخطر الإسلاميحسب ما قالته في مقابلةٍ لها أجرتها عام 2015 مع مجلة (Chronicles) الأمريكية. “بدأ هذا الموضوع (التطرف الإسلامي) أن يكون مهماً وحاداً في روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي, عندما بدأ ذبح السكان الروس في الشيشانتقول تشودينوفا. نالت الشيشان استقلالها عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. دخلت البلاد بين عامي 1994-1996 أولى حروبها مع الدولة الروسية الفتية التي رفضت الاعتراف بخسارتها لهذا العدد من الأقاليم. ضربت سلسلة تفجيرات مجمعاتٍ سكنية في موسكو عام 1999, قُتل 293 وجُرح حوالي 1000 شخص. اتهمت الحكومة الروسية متطرفين إسلاميين بالقيام بالهجوم, واجتاحت الشيشان وضمتها لتكون جمهورية ضمن الاتحاد الروسي.

كانت مأساة مدرسة بسلان عام 2004 في روسيا دافعاً رئيسياً لتشودينوفا حسب ما ذكرته في المقابلة ذاتها. اختطف مقاتلون شيشان 1100 شخص في المدرسة لمدة ثلاثة أيام, كان من ضمنهم 777 طفلاً. ضربت الدولة الروسية بيدٍ من حديد وكانت النتيجة 385 قتيلاً وصدمة قوية للبلاد. كان للأحداث تشابكاتها السياسية, لكنها لعبت أيضاً دوراً في تشكيل فكر الإسلاموفوبيا في روسيا.

نظرة تشودينوفا للمجتمع المسلم كخطر ليست مأصلةً في الهجرة الإسلامية إلى بلادها. تقول تشودينوفا في مقابلتها مع ال(Chronicles) حول سبب اختيارها لفرنسا, وليس روسيا, كساحةٍ لأحداث الرواية: “أنا لم أختر فرنسا, هي بنفسها قررت أنني بحاجةٍ أن أكتب عنهاحسب وصفها. تتابع تشودينوفا: “إنه ليحزنني رؤية الإعلام وهو يؤكد على ضرورة التوقف عن تحريض المسلمين على الإرهاب, هذا ساذج, الأفعال الناتجة عن غضب المسلمين لا يمكن أن تكون عفوية.” تتابع قائلة: “غير مؤمن لا يمكن أن يحارب مؤمناً, وإذا كان لفرنسا أي مستقبل مشرق, فهو يقع في العودة إلى الكاثوليكية.”

بالنسبة لكاتبة تعبر كتاباتها عن إيمان عميق بنظرية صراع الحضارات, فإن رواية تشودينوفا تضعُ روسيا وأوروبا في خانة واحدةٍ تختفي فيها الصراعات الثقافية بين الكنيستين الشرقية والغربية, ضد الإرهاب الإسلامي.”

تجاهلت الأوساط اليسارية والمعتدلة في فرنسا الرواية طويلاً. ترجمت الرواية للبلغارية والصربية والفرنسية والبولندية. و إذا ما كانت الترجمات تعكس الطلب على الرواية, فهي كذلك قد تعكس رواج هذه الأفكار في البلدان التي لاقت رواية تشودينوفا رواجاً فيها.

تحتل الرواية مكاناً هاماً في الفكر المؤامراتي الغربي, فقد قدمت شبكة CBN الأمريكية اليمينية ذات التوجه المسيحي, تقريراً يصور حال المسلمين في باريس, ويتهمهم بمخالفة القانون عند أداء صلاة الجمعة في الطرقات, والصلاة ليس لمجرد أداء الصلاة, بل لاستعراض قوتهم العددية حسب التقرير. يقدم التقرير شهاداتٍ لأشخاصٍ مجهولين بسبب خوفهم على حياتهم حسب تعبيرهم, حيث يعبرون عن قلقهم من فقدان هوية مدينتهم. كذلك يروج التقرير للرواية ويتهم الإعلام بتجاهلها. تجد اسم الرواية مذيلاً لمقطع فيديو نشره أحد الهواة يمزج صوت الأذان بعبارات من رواية تشودينوفا, خاتماً المقطع بعبارةالوقت ينفذ.”

يقود هذا التصور اليميني إلى تساؤل موضوعي حول أحقية المسلمين في إظهار شعائرهم الدينية في المدن الأوروبية. يحمل هذا التساؤل أبعاداً متعلقة بأحقية الأرض, وإذا ماكانت الأرض لساكنيها أم أن لها هوية تاريخية لا يمكن االحياد عنها. بغض النظر عن هذا البعد الفلسفي, يفترض أن تكون الإجابة عن السؤال الأول المتعلق بإظهار المسلمين لشعائرهم في إطار القانون, مع التأكيد أنه ليس من العدل اعتبار الجيل الرابع للفرنسيين المسلمين ذووي الأصول الأفريقية على أنهم دخلاءوغريبون عن مجتمع لم يعتد عاداتهم بعد.فإذا كان تكتل المجتمعات المسلمة في فرنسا يظهر كمشكلة عويصة, فإن الاستمرار باعتبار هذه الجاليات على أنها الآخرالمختلف عن هوية فرنسا مضر أكثر ليس فقط للمجتمع المسلم في فرنسا بل لاستمرارية فرنسا كبلد لبرالي تعددي.

من المؤكد أن رؤيا تشودينوفا عن المستقبل وفي تحول الأوربيين عن ثقافة الانفتاح قد تحققت نسبياً بعد موجة الشعبوية التي تجتاح الغرب. تبقى مجموعة أسألة ضمن الأجندة السياسية للأعوام القادمة, إلى أي حدٍ يدفع التدين الإسلامي إلى مزيدٍ من التدين المسيحي في أوروبا؟ هل يمكن أن يقود التطرف الإسلامي المسيحيين في أوروبا إلى تطرفٍ دينيٍ أيضاً؟

قد تكون هذه التحليلات المعتمدة على الاختلاف الثقافي إجحافاً بحق الواقع السياسي والاقتصادي في أوروبا وإغلالاً في نظرية صراع الحضارات. على الرغم من ذلك, تقول تشودينوفا في مقابلتها مع ال(Chronicles) أن ماري لوبان معجبةٌ بقرائاتها, وأن الأخيرة روجت لروايتها في فرنسا. “حين قابلت لوبان خلال زيارتها لموسكو (2015) علمت أنني أقابل رئيسة فرنسا القادمةتقول تشودينوفا. لا يهم إن كان الشعبويون ينشرون أفكاراً صحيحةخلال تنظيرهم السياسي, ما يهم أن هذه الأفكار تلقى رواجاً لدى البعض من الطبقات المهمشة في المجتمع وتقرّب وصول اليمين المتطرف للحكم.

إنه لمثير للاهتمام تاريخياً إدراك أهمية هذه الرواية والسياق الذي أدى لكتابتها وردات الفعل عليها, لكن الأهم هو فهم الحالة الاجتماعية التي تعبر عنها في المجتمعات الأوروبية, حالة الانغلاق لدى بعض المجتمعات المهاجرة, الرفض لهذه المجتمعات من اليمينين, التطرف الإسلامي, وتأجيج الخوف من الآخر

 © Mashreq Politics & Culture Journal


.

Menu Title