من الشيشكلي للأسد, أوجه التشابه وتوسيع المدارك

من الشيشكلي للأسد, أوجه التشابه وتوسيع المدارك

General Adib al-Shishakli with officers of the Syrian Army in 1953. Front row, to his left sits Head of State, President Fawzi Selu and General Aziz Abdul al-Karim. In the back seat, in glasses, is General Amin Abu Assaf, Riad Kaylani, and Mahmud Shawkat

 

 

 

الكاتب: كريستوفر سولومون, محلل سياسي لدى

(Global Risk Insights)

لقي الزعيم السياسي مصرعه في منفاه في البرازيل منذ حوالي الـ 52 عاماً. و بينما يجهد متابعوا الشأن السوري لفهم وإدراك مقتضيات الصراع في سوريا, يبدو أن العودة لفترة حكم أديب الشيشكلي قد تكشف بعض الدلائل.

من الشيشكلي للأسد, أوجه التشابه وتوسيع المدارك MPC Journal

أديب الشيشكلي

يحمل العلم الذي تتبناه المعارضة السورية الألوان الأخضر والأبيض والأسود, يتوسطه ثلاث نجمات حمر. ذات العلم الذي رُفع في سماء سوريا منذ استقلالها حتى خمسينات القرن الماضي, فترةٌ شهدت الكثير من المكائد السياسية والانقلابات العسكرية. ذات الفترة شهدت حكماً دكتاتورياً بعد ديمقراطية فتية. تقبع شخصية أديب الشيشكلي في طيات النسيان مع مجريات تلك الفترة.

الانقلابات, الاستقرار, والحكم السلطوي

أديب الشيشكلي كردي سوري من محافظة حماة, خدم في الجيش العربي الذي شارك في معارك حرب فلسطين عام 1948. مكّنته شجاعته في صفوف القتال من حيازة موقع ريادي بين الضباط السوريين. على رغم من عدم انتماءه رسمياً لأي حزب سياسي, فقط استضاف في نادي الضباط في دمشق العديد من الشخصيات الناشطة في الفلك السياسي السوري الناشئ حينها. عُرف الشيشكلي بانحيازه لأفكار أنطون سعادة, زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي. أضاف نشاطه ضد الاحتلال الفرنسي, خصوصاً جهوده في تحرير قلعة حماة عام 1944, لسمعته السياسية كرجل مواقف وأفعال.

شهدت سوريا سنوات من الاضطراب السياسي بعيد الاستقلال. هيمنت النخبة الوطنية على الحياة السياسية, ممثلة بوجوه النضال السياسي ضد الاحتلال الفرنسي كشكري القوتلي, مصحوبة بنزاع سياسي طفيف بين الكتلة الوطنية وحزب الشعب المهيمن في حلب والمدعوم من العراق. لم تخلوا الفترة أيضاً من تلاعبات سياسية من أطراف كالحزب السوري القومي الاحتماعي وحزب البعث صاحب القاعدة الطلابية. هزت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية محولة الديمقراطية الناشئة لطريدة للعسكر.

وصل الشيشكلي لحكم مستقر نسبياً عام 1950 بعد الانقلاب الثالث في البلاد. على الرغم من أن الشيشكلي قد ساعد حسني الزعيم في انقلابه الأول عبر قيادة انشقاق في الجيش, لكن حكم الشيشكلي يبقى أول حكم يدخل فيه الجيش بتفاصيل الحياة السياسية في بلد عربي. فتح الشيشكلي باباً سيألفه الكثير من قادة الجيوش في المنطقة.

البعض يعتبر أن الحكم العسكري له منافعه للبلاد. حارب نظام الشيشكلي الجريمة وفرض قوانين صارمة على حدود البلاد المتفلتة, وعمل أيضاً على تطوير الجيش ليكون قوة حديثة. سخّر الشيشكلي القوة الإعلامية, الممثلة بالراديو في عصره, فقد كان معروفاً في المنطقة العربية حتى قبل أن يظهر عبد الناصر على الساحة, مشهوراً بخطبه الحماسية التي ترددت عبر الأثير. وكان أول رئيس عربي في البلاد التي نالت استقلالها حديثاً يطوّر مبادئ عبادة الفرد“, جيث تظهر صوره على واجهات المحلات, كما وأسس وزارة حكومية للإعلام ونشر الدعاية الحكومية.

انتشرت عيون الشيشكلي وعناصر أمنه بطول البلاد وعرضها لمراقبة أي نشاط معارض لحكمه. تم حظر جميع الأحزاب السياسية, خصوصاً الدينية منها. وقبل لعبة الفأرة والقط التي بدأتها الحكومة المصرية مع الإخوان المسلمين بحوالي عقدين من الزمن, حارب الشيشكلي الجبهة الإسلامية الاشتراكية التي ضمت الأخوان المسلمين في سوريا ومنعها من المشاركة في الحياة السياسية. تم عزل معروف الدواليبي العضو في حزب الإخوان المسلمين والمقرب من حزب الشعب في حلب من منصبه كوزير للاقتصاد.

وعند عودته من القاهرة, استقبل العقيد البعثي عدنان المالكي الرئيس الشيشكلي في المطار مطالباً إياه بإصلاحات سياسية. طلب الشيشكلي من المالكي قائمة بأسماء المشاركين في هذه المطالب ورماهم جميعاً في السجن.

رغم التصدع الواضح, تجد بين القراء والدارسين من يكن للشيشكلي تقديراً وإعجاباً, مركزين على القرارات الريادية التي شهدتها فترة حكمه. معرض دمشق الدولي الذي افتتح عام 1954 كان أحد مشاريع الشيشكلي التطويرية ليعلي من شأن سوريا دولياً, كذلك مرفأ اللاذقية. أول امرأة تترشح للانتخابات كانت في عهد الشيشكلي, حيث جلست ثريا الحافظ تحت قبة البرلمان عام 1953. حتى بعد عزله, بقي السوريون لسنوات يذكرون فترة حكمه.

يحافظ نظام الأسد على هالة الاستقرار والحداثة والموقف المتقدم من المرأة في المناطق التي يسيطر عليها. وعلى رغم من كونه جزءاً من محور إيران المقاوم“, يحافظ الأسد على علمانية الدولة في سوريا مستقطباً دعماً من الأقليات والمجموعات التي تسعى لإبقاء الإسلاميين السنّة بعيداً عن أي هيمنة سياسية.

اتجاهات إقليمية جيو-سياسية

سوريا هو الاسم الرسمي للبلد الذي يقع ضمن الحدود الصنعية التي رسمتها الإمبريالية.” اقتباس مشهور للشيشكلي لازال يحمل شيئاً من الصحة منذ عام 1953.

تتحدى هذه الحدود قوى داخلية ذات نزعة انفصالية أو دول توسعية مجاورة. مرتفعات الجولان, هاتاي, وآخرها روج آفا, هي أمثلة تاريخية على زعزعة الحدود السورية. غالباً ما يتحدث المحللون السياسيون عن تشكيل دولة علوية قادمة. ومثلما زعزعت المنافسات الداخلية استقرار البلاد كذلك فعل الوضع الجيوسياسي في المنطقة خلال فترة حكم الشيشكلي. نشأ صراع بين العراق الهاشمي المدعوم من بريطانيا مقابل تحالف سعودي-مصري, ورأى الغرب سوريا من منظور الحرب الباردة والخوف من الامتداد الشيوعي. تابعت فرنسا محاولاتها لكسب النفوذ في مستعمرتها السابقة للحفاظ على توازن مع الامتداد الاستعماري البريطاني. بعيداً عن انقلابه العسكري, كان الشيشكلي معروفاً بمحافظته على استقلال وسيادة سوريا خلال فترة صعود التأثير الغربي على المنطقة. تجنّب دعماً عسكرياً من إدارة آيزنهاور, وعمل في الوقت ذاته على إبعاد سوريا عن المعسكر الاشتراكي. كان مشروع الهلال الخصيب, أو حلف بغداد كما تذكره كتب التاريخ, الاتجاه الأساسي الذي قاد الصراع الجيوسياسي في المنطقة خلال فترة حكم الشيشكلي. امتدت الهيمنة البريطانية لتغطي العراق, وعلى الرغم من وجود نفَس رافض للحدود الصنعية بين العرب, ولكن الخوف من احتمالات الوقوع في دائرة الأحلاف الغربية قاد القوى الوطنية في سوريا إلى الابتعاد, وفي نفس الوقت الاحتفاظ بفرص قيام اتحاد بين دمشق وبغداد.

السوريون بشكل عام اصحاب موقف دفاعي ضد التدخلات الأجنبية المحتملة, سواء كانت حقيقة أو متخيلة. بالنسبة للأسد, فإن حماية استقلال سوريا من التدخلات الأجنبية هو السبب الأساسي لرفض التفاوض في جنيف على مبدأ انتقال السلطة. تؤكد تصريحات الأسد خارج مسجد في داريا هذه المواقف المعادية للغرب. يصف مؤيدوا الأسد الاعتماد الكبير على روسيا وإيران بـالصداقة الحقيقية“, ومن غير المعروف حجم الأثر المتزايد لهذه الصداقة على البلاد في المدة المتبقية من الحرب.

استطاع الشيشكلي استمالة السعودية ومصر, وحافظ لفرنسا على شيء من التأثير الشكلي داخل البلاد. تماماً كما فعل الأسد مع روسيا وإيران, كان الشيشكلي مدركاً لدهاليز السياسة الإقليمية خلال فترة حكمه, واستخدمها للحفاظ على سوريا على الحياد خلال الحرب الباردة لحماية استقلالها. كان العراق لاعباً مهماً في تحريض معارضي الشيشكلي الداخليين وتنظيم القوى التي توحدت ضده.

لا يمكن إخفاء حالة الإخفاق التي لطالما عانت منها حكومات سوريا المركزية في فرض سيطرتها على المناطق المختلفة. مع اقتراب نهاية حكمه, كانت حمص مركز المعارضة للشيشكلي, ولكنه رأى في الدروز خطراً أكبر عليه. ولعل أشهر الأخطاء التي يشتهر بها الشيشكلي هو حملته لكبح الخطر العشائري للدروز في جنوب سوريا. لم يغفر الدروز للشيشكلي القصف والاعتدائات العسكرية التي تعرض له جبل الدروز. شكَل الضباط الدروز في الجيش عصب التكتل العسكري (المدعوم من العراق) الذي أطاح به.

تنتشر النزعات المناطقية اليوم في شتى مناطق سوريا. تبقى حلب مركزاً لقوات الثوار التي تقاتل الأسد. كما أن سنوات التعريب البعثي للمناطق الكردية شمال شرق البلاد ألقت بظلالها على الواقع اليوم, وأدت لاشتباك بين الكرد وقوات الأسد في الحسكة. تلعب داعش أيضاً استراتيجية تقتضي بتجنيد السنّة وخطف حالة العداء للأسد لدى معارضيه وتجنيدها لخدمة أيديولوجيا الخلافةالعابرة للحدود.

سواء بفرض القبضة الحديدية من دمشق أو من الرقة على بقاع البلاد, يرى الزعماء اليوم أنها الاستراتيجية الوحيدة, استراتيجية تعتمد على إظهار صور القوة والسلطة المطلقة للمحاولة على الحفاظ على سيادة الدولة في البلاد. أمرٌ كان صعباً في عهد الشيشكلي, ظاهراً في عهد الأسد, ولا بد منه لأي حكم قادم على سوريا في المستقبل.

الشيشكلي, الحزب السوري القومي الاجتماعي و حركة التحرير العربي

كانت حظوظ الحزب القومي السوري الاجتماعي قوية في عهد الشيشكلي, تغير الوضع بعد الإطاحة به وتحول أعضاء الحزب للاجئين سياسيين في لبنان. لبنان كان المهرب للسياسيين المنفيين, وضع عاشه منظر حزب البعث ميشيل عفلق قبل أن يعود لسوريا بعد سقوط الشيشكلي. منذ اغتيال الضابط البعثي ونائب قائد الجيش عدنان المالكي, والحزب السوري القومي الاجتماعي موضوع على القائمة السوداء, وأعضاؤه يتحولون للعمل السري مع كل سطوع لنجم البعث.

رحّب الشيشكلي في سنة حكمه الأولى بفكر الحزب السوري القومي, لكن تمنّع عن تبني الحزب رسمياً وفكره المنادي بوحدة سوريا الكبرى على حساب الهوية الواسعة الانتشار المنادية بالوحدة العربية. أسس حزبه الخاص (حركة التحرر العربي) لتعزيز التوجه العروبي. على الرغم من عدم وجود أي ارتباط عقائدي بين الحزب السوري القومي الاجتماعي وحركة التحرر العربي, ولكن لا يمكن تفويت التشابه في التنظيم الحزبي, التحية بين الأعضاء وتراتبية السلطة. عقائدياً, دعت حركة التحرر العربي للوحدة العربية بينما شرع القومي السوري الاجتماعي بنشر الميثولوجيا المرتبطة بالهوية السورية ودعا لوحدة سوريا الكبرى. كلا الحزبين تقدميان بمعنى أنهما يسمحان نظرياً للسوريين بشتى طوائفهم بالانضمام لهما, ويسمحان بعضوية المرأة.

اختار الرئيس السوري هاشم الأتاسي عام 1954 أن لا يقمع حزب الدكتاتور الشيشكلي بعد الإطاحة به, وسمح لمأمون الكزبري, الأمين العام لحركة التحرير العربي, بالترشح للبرلمان, حتى أنه حظي بمقعد برلماني بعد الإطاحة بالشيشكلي. اختفى الحزب رسمياً مع إعلان الوحدة بين سوريا ومصر. لم تستطع حركة التحرر العربي الصمود من غير الشيشكلي, يبقى أثر لها حتى اليوم, ساحة التحرير في دمشق التي سميت بالأصل تيمناً بأفكار الحزب.

بعد وفاة الكزبري, الذي أصبح رئيساً للوزراء لاحقاً, سُمح لعائلته بأن تدفن رفاته في دمشق عام 1998, و حظي بجنازة شبه رسمية. تُعلّق صورته اليوم في البهو الرئيسي داخل البرلمان السوري تكريماً لدوره كمتحدث باسم البرلمان خلال حكم الشيشكلي.

تعرض الحزب السوري القومي الاجتماعي للاضطهاد الحكومي والرفض الشعبي في سوريا ولبنان حتى أواخر الستينات عندما تم إخلاء قيادات الحزب من السجون وعملوا على إعادة إحياء الحزب في السبعينات والثمانينات. اختبر الحزب فترة سلم مؤقتة مع حافظ الأسد خلال الحرب الأهلية اللبنانية, أمر حسّن العلاقات بينهما فيما بعد. لم تشكل الحرب الأهلية السورية فترة نجاة للحزب السوري القومي الاجتماعي, بل إنها أعادته للواجهة من جديد كحليف أساسي للنظام السوري. لطالما ازدرى البعث الحزب السوري القومي, متهماً أعضائه بالعمالة الخارجية. لا وجود لأي إشارة للشيشكلي في أدبيات الحزب السوري القومي, لأن ذلك سيضعهم في مواجهة الدروز في سوريا والبعثيين على حد سواء.

لازال الجيل الأقدم من السوريين القوميين يتحدث بشغف عن الشيشكلي, على الأقل بجلساتهم الخاصة. يقول سامي المبيّض, مؤسس جمعية تاريخ دمشق: ” توفي عصام المحايري عام 2015, وقد كان صديقاً وفياً للشيشكلي. خلال سلسلة من أربع مقابلات مع تلفزيون الدنيا عام 2010, تحدث المحايري عن الشيشكلي بشكل إيجابي, وبُثّت كلماته على التلفزيون الحكومي من غير رقابة.”

المحايري فخورٌ أن الشيشكلي وأخوه صلاح كانوا من أوائل الأعضاء في الحزب القومي السوري, مع أكرم الحوراني الذي أصبح لاحقاً عضواً هاماً في حزب البعث. لم يكن للشيشكلي أي دور أيديولوجي هام في حياة الحزب, ولا يتعدى احتفال الحزب بعضويته درجة الحنين لماضٍ حيث وصل أعضاء الحزب لمناصب مهمة.

في حال فوز الأسد في الحرب في سوريا, فسيكون للحزب السوري القومي دور متعاظم في سوريا ما بعد الحرب. شكلت الحرب في سوريا دافعاً نحو الهوية الوطنية السورية, ويمكن اعتبار هذه الحرب نهاية رسمية لأيديولوجيا البعث المنادية بالوحدة العربية. وإذا ما أعاد السوريون القوميون تأثيرهم الأيديولوجي, فقط يخضع الشيشكلي لعملية إعادة تأهيل تضعه كرمز تاريخي سياسي في السياق العام.

سقوط الشيشكلي عام 1954, وإرثه في سوريا

سعى الشيشكلي للحد من تأثير العسكر على السياسة في سوريا, خطوة كانت نحو شرعنة حكمه للبلاد. وجد العديد من الضباط المؤثرين في الجيش أنفسهم مبعدين أو مفصولين, أمرٌ وضعهم في المعسكر المعادي للشيشكلي. وبمساعدة العراق, تمكنت اصطفافات في الجيش السوري من تشكيل جبهة موحدة استطاعت طرد الشيشكلي من دمشق. وبمجرد وصول البعث للسلطة, عمل على محو أي أثر للشيشكلي من الذاكرة الجمعية السورية.

لا يوجد ذكر لاسم الشيشكلي في الكتب المدرسية, ولا على التلفزيون السوري باستثناء مسلسل حمام القيشاني, من إنتاج التسعينات, حيث لعب الممثل أسامة الروماني دور الشيشكلي. كتاب واحدٌ فقط نُشر في سوريا عن الشيشكلي منذ استقالته عام 1954, وكان متوسط الجودة وفشل في إنصاف الشيشكلي,” يقول المبيّض.

لا يوجد أثرٌ في دمشق يحمل اسم الشيشكلي, حتى التاريخ الرسمي للقصر الرئاسي الذي بناه الشيشكلي في شارع أبو رمانة (مكتب نائب الرئيس السيدة نجاح العطار اليوم) لا يحمل ذكراً للشيشكلي. يحمل القصر ارتباطاً بعبد الناصر الذي خاطب الشعب السوري من شرفته عند زيارته عام 1958, قبيل إعلان الوحدة العليلة مع مصر.

لم يعد الشيشكلي للرئاسة بعد مغادرته مكتبه عام 1954. كان له محاولتان للعودة للبلاد, أحدهما فور مغادرته, عندما حاول إعادة توجيه الطائرة التي قادته لمنفاه للعودة لمطار بيروت بعد أن حثّه مؤيدوه على ذلك. أحبطت وزارة الخارجية الأمريكية هذه المحاولة, عندما رفضت إعطاء الشيشكلي الإذن بالهبوط في مطار بيروت الدولي. المحاولة الثانية كانت على إثر اجتماعات قام بها أعضاء في الحزب السوري القومي مع الشيشكلي وأخوه صلاح في بيروت, مع مجموعة ضباط انقلابيين لتدبير حركة في سوريا, ولكن الشيشكلي, وهو رجل عسكري إلى حد ما, رفض المشاركة لعلمه بعدم وجود أرض خصبة لهذه الحركة داخل الجيش السوري. إذا ما قرر الأسد اللجوء إلى روسيا, فإنه من الممكن أن تشهد السنوات اللاحقة اضطرابات وعمليات إرهابية تدعوه لتدبير عودته للسلطة. تدبير مناورة عسكرية كهذه, يعتمد على مزيج من التأييد لها داخل وخارج سوريا.

قادت الانتخابات بعد أربع سنوات من رحيل الشيشكلي إلى الوحدة بين سوريا ومصر, وحدة شكلت نهايتها سنوات من الصراع السياسي. كان هذا مترافقاً مع حال الجيش الذي أصبح مفككاً ومشتت الهوى السياسي بعد رحيل الشيشكلي. نهاية الوحدة تمخّضت عن حلفٍ سري عسكري وجد له الرعاة السياسيين, حلف المصالح المشتركة بين بعثيي عفلق والشيوعيين السوريين, معلنين بداية حقبة جديدة من الاستبداد في سوريا. مهد فشل هذا الحلف لانقلاب قسم من البعثيين عليه عام 1966, وصولاً لحكم عائلة الأسد الحالي.

في خضم سرد تاريخ الشيشكلي, من المهم معرفة أنه عندما علم بالانقلاب عليه, كان بإمكانه اللجوء للقوة, فقد كان مسيطراً على قسم من الجيش يدين بالولاء له خصوصاً من سلاح المدرعات, لكنه انسحب مفضلاً النفي الاختياري متجنباً الحرب الأهلية. لعله علم أن سوريا ببنيتها السياسية الهشة, والتنافسات المناطقية التي تحكمها, تضعها في موقع الخطر على المدى الطويل. هذا المستقبل الذي عمل الشيشكلي على تجنبه, بدأ ويستمر اليوم.

بالنسبة للسوريين الذين يذكرونه اليوم, يبدو أن الشيشكلي شخصية خلافية, فالبعض يعتبره تقدمياً وإصلاحياً وآخرون يعتبرونه دكتاتوراً. اغتياله في مدينة سيريس في البرازيل, مصاحباً بحكم طويل للبعث في سوريا, وضع نهاية لذكراه. وبينما يرتفع علم دولة الاستقلال مرة أخرة في أوقات محفوفة بالريبة, تدعو هذه الريبة لاستحضار تاريخ الشيشكلي وتاريخ سوريا المنسي

ترجمة: مصطفى قره حمد

المصدر الأصلي للمقال هنا

© Mashreq Politics & Culture Journal

 


Menu Title