تاريخ +تعدديةتواصل ثقافيمجتمع

كلنا لدينا حق التمتع بالحقوق ولكن ماذا يعني ذلك؟

وفقًا للأمم المتحدة، هناك 65.6 مليون شخصا في العالم تم تهجيرهم قسراً؛ و 22.5 مليون لاجئ وعشرة ملايين شخص عديمي الجنسية حاليا. هؤلاء الناس، نصفهم تقريباً من الأطفال، يعيشون حياة من عدم الانتماء اللامتناهي وعدم الاستقرار، وتقييد تحركاتهم شديد إلا أن مكان تواجدهم غير محدد.

حياتي هي عكس ذلك: فيها الانتماء وحرية الحركة الكاملة. في البارحة، دخلت بسهولة إلى أستراليا، حيث توقفت لمدة أقل من دقيقة في الجمارك، حيث تحقق أحد الضباط من أنني تلقيت تأشيرة التي حصلت عليها إلكترونيًا. لقد حصلت على الفيزا في غضون ساعات قليلة لأنني في حوزتي جواز سفر أمريكي.

الكاتبة:

ماشا جيسن [Masha Gessen] ، وهي كاتبة في مجلة نيويوركر ولديها العديد من الكتب بما في ذلك مؤخرًا، “المستقبل هو التاريخ: كيف استعادت الشمولية روسيا” ، التي فازت بجائزة الكتاب الوطني عام 2017.

 

قبل تسعة وستين عامًا، كتبت هانا أرندت [Hannah Arendt] عبارة أصبحت تدريجيًا واحدة من جملها الأكثر اقتباساً: “حق التمتع بحقوق”. ولخصت هذه العبارة شكوكها حول مفهوم حقوق الإنسان – تلك الحقوق التي، من الناحية النظرية، من المفترض أن تكون من حق كل شخص بمجرد وجوده أو وجودها. ولكن كيف يتم ضمان هذه الحقوق؟ في هذا الصدد، اقترحت أرندت أنه يجب ألا يكون المرء مجرد شخص ولكن يجب أن يكون أيضًا مواطناً. بعبارة أخرى، في حين أن الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حقي التمتع بها، إلا أنه يمكنني المطالبة بها فقط لأنني أيضًا أحمل جواز سفر أمريكي.

كانت عبارة أرندت، التي استخدمت لأول مرة في مقال 1949 ومرة أخرى في كتاب عام 1951 “أصول الشمولية”، موضع تفسيرات عديدة في السنوات القليلة الماضية. في الآونة الأخيرة، نشرت دار النشر “فيرسو” كتابًا صغيرًا يحوي مقالات لأربعة أكاديميين سعوا ليس فقط لتحليل هذه العبارة ولكن أيضًا لإيجاد تفسيرات يمكنها أن ترشد وتلهم المقاومة ضد الهجوم العالمي الحالي على حقوق الإنسان. عنوان الكتاب هو “حق التمتع بحقوق”.

كانت أرندت لاجئة عديمة الجنسية لمدة ثمانية عشر عامًا، منذ أن هربت من ألمانيا النازية  وهي في السابعة والعشرين من عمرها حتى حصولها على الجنسية الأمريكية في عام 1951. في الوقت الذي تبنت فيه الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، كانت أرندت تعيش في أمريكا. كانت قد حصلت بالفعل على حق اللجوء السياسي لكنها لم تكن مواطنة بعد.

لقد رحبت بالإعلان ببعض من الحماس في البداية واعتبرته الأساس لآلية دولية لضمان الحقوق. ولكنها سرعان ما أصبحت متشككة في مصداقيته. وكتبت “يجب ضمان حق الإنسان في التمتع بالحقوق أو حق كل فرد في الانتماء للإنسانية” وأضافت “ليس من المؤكد بأي حال ما إذا كان هذا ممكنًا.”

كتبت أرندت أن أي آلية دولية جديدة لا تزال تعتمد على رغبة الدول في إنفاذها – لحماية الأشخاص الذين أصبحوا بلا حماية بفقدان انتماءاتهم الوطنية. منذ ذلك الحين، ازدادت الأمور سوءًا. سادت سياسة عالمية لمؤسسات دولية مستاءة في وقت يحكم به كلاً من فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وجيش كامل من السياسيين الأوروبيين المتشككين تجاه الإتحاد الأوروبي.

“كشفت أزمة اللاجئين بعد الحرب العالمية الثانية لـ [أرندت] أنه يمكن للبشر أن يتواجدوا في مكان لا يُسمى أي مكان، [أي اللامكان]؛ يمكن تهجيرهم من المجتمع السياسي كما يمكن تحويلهم إلى أشياء مجردة،” ستيفاني ديجوير [Stephanie DeGooyer]، التي تدرس في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة ويلاميت، كتبت في كتاب “حق التمتع بالحقوق”. في حالة عدم وجود سياق أو جمهور أو مجتمع للمطالبة بحقوقهم، لا يمكنهم حماية أنفسهم.

مع ذلك، كتبت ديجوير أن آرندت كان لديها أمل في مكان واحد وهو الولايات المتحدة، التي كانت دائمًا، حسب كلمات أرندت، “تعتبر الوافدين الجدد كمواطنين محتملين”. ومع ذلك، في عام 2018 يبدو أن الموقف الأمريكي من المهاجرين قد مر بمرحلة تحول عميقة بحيث أصبح “ما يسمى بالأمل الأخير لآرندت” لا أساس له من الصحة.

منذ نشر الكتاب في فبراير 2018، استمعت المحكمة العليا إلى مرافعات بشأن قرار ترمب الأخير لحظر السفر، الذي على مايبدو قد يبقى ساريًا حيث تواصلت عمليات الترحيل من الولايات المتحدة. وقامت خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية بإلغاء وصف الدولة بأنها “دولة مهاجرين” من بيان مهمتها.

في هذه الأثناء في المملكة المتحدة، ظهرت قصة ما يسمى بجيل الويند راش [Windrush]. ما يقرب من نصف مليون شخص يعيشون في بريطانيا، والذين اعتقدوا خلال معظم حياتهم بأنهم رعايا بريطانيين لأنهم جاءوا من المستعمرات البريطانية في منطقة البحر الكاريبي، يواجهون حالة من عدم اليقين بشأن وضعهم كمواطنين، أو ما هو أسوأ من ذلك بكثير. لقد تبين بأن البعض منهم كانوا لسنوات محرومين من المزايا أو الحق في العمل أو الحق في دخول البلد مرة أخرى.

على عكس الادعاءات الوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن حقوق الإنسان لا تمت لهؤلاء بصلة حيث أن التمتع بهذا الحق يمكن منحه ونقله عن طريق بيروقراطية غير شخصية وغير محسوسة.

ترجمة وتحرير حكيم خطيب

هذه نسخة محررة للمقالة الأصلية